السيد هاشم البحراني
629
البرهان في تفسير القرآن
فأقبل يونس لينظر كيف أهلكهم الله تعالى ، فرأى الزارعين يزرعون في أرضهم ، قال : لهم : ما فعل قوم يونس . فقالوا له ، ولم يعرفوه : إن يونس دعا عليهم فاستجاب الله له ، ونزل العذاب عليهم ، فاجتمعوا وبكوا ، ودعوا ، فرحمهم الله ، وصرف ذلك عنهم ، وفرق العذاب على الجبال ، فهم إذن يطلبون يونس ليؤمنوا به . فغضب يونس ، ومر على وجهه مغاضبا - كما حكى الله - حتى انتهى إلى ساحل البحر ، فإذا سفينة قد شحنت ، وأرادوا أن يدفعوها ، فسألهم يونس أن يحملوه فحملوه ، فلما توسطوا البحر ، بعث الله حوتا عظيما ، فحبس عليهم السفينة من قدامها ، فنظر إليه يونس ففزع منه وصار إلى مؤخر السفينة ، فدار الحوت إليه وفتح فاه ، فخرج أهل السفينة ، فقالوا : فينا عاص ، فتساهموا ، فخرج سهم يونس ، وهو قول الله عز وجل : فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) * ، فأخرجوه ، فألقوه في البحر ، فالتقمه الحوت وهو مليم ، ومر به في الماء . وقد سأل بعض اليهود أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن سجن طاف أقطار الأرض « 1 » بصاحبه ، فقال : يا يهودي ، أما السجن الذي طاف أقطار الأرض بصاحبه فإنه الحوت الذي حبس يونس في بطنه ، ودخل في بحر القلزم ، ثم خرج إلى بحر مصر ، ثم دخل في بحر طبرستان ، ثم دخل في دجلة العوراء « 2 » ، ثم مرت به تحت الأرض حتى لحقت بقارون ، وكان قارون هلك في أيام موسى ، ووكل الله به ملكا يدخله في الأرض كل يوم قامة رجل ، وكان يونس في بطن الحوت يسبح الله ويستغفره ، فسمع قارون صوته ، فقال للملك الموكل به : أنظرني ، فإني أسمع كلام آدمي . فأوحى الله إلى الملك الموكل به : أنظره . فأنظره . ثم قال قارون : من أنت ؟ قال يونس : أنا المذنب الخاطئ يونس بن متى . قال : فما فعل الشديد الغضب لله موسى بن عمران ؟ قال : هيهات ، هلك . قال : فما فعل الرؤوف الرحيم على قومه هارون بن عمران ؟ قال : هلك . قال : فما فعلت كلثم بنت عمران ، التي كانت سميت لي ؟ قال : هيهات ، ما بقي من آل عمران أحد . قال قارون : وا أسفا على آل عمران . فشكر الله له ذلك ، فأمر الله الملك الموكل به أن يرفع عنه العذاب أيام الدنيا ، فرفع عنه . فلما رأى يونس ذلك نادى في الظلمات : أن لا إله إلا أنت سبحانك ، إني كنت من الظالمين . فاستجاب الله له ، وأمر الحوت أن يلفظه ، فلفظه على ساحل البحر ، وقد ذهب جلده ولحمه ، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين - وهي الدباء - فأظلته عن الشمس ، فشكر « 3 » ، ثم أمر الله الشجرة فتنحت عنه ، ووقعت الشمس عليه ، فجزع ، فأوحى الله إليه : يا يونس ، لم لم ترحم مائة ألف أو يزيدون وأنت تجزع من ألم ساعة ! فقال : يا رب ، عفوك عفوك . فرد الله عليه بدنه ، ورجع إلى قومه ، وآمنوا به ، وهو قوله : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ) * « 4 » « وقالوا : مكث يونس ( عليه السلام ) في
--> ( 1 ) في « ج ، ي ، ط » : البحر . ( 2 ) في « ي ، ط » : دجلة الغور ، وفي المصدر : دجلة الغورا ، وهو تصحيف صحيحه ما أثبتناه ، ودجلة العوراء : اسم لدجلة البصرة ، علم لها . « مجمع البلدان 2 : 442 » . ( 3 ) في « ج ، ي ، ط » : فسكن . ( 4 ) يونس 10 : 98 .